الغزالي

194

إحياء علوم الدين

في البوادي في كل أسبوع عن أن يلقاه آدمي ، أو ينتهي إلى حلة ، أو قرية ، أو إلى حشيش يجتزى به ، فيحيا به مجاهدا نفسه . والمجاهدة عماد التوكل . وعلى هذا كان يعول الخوّاص ونظراؤه من المتوكلين والدليل عليه أن الخوّاص كان لا تفارقه الإبرة ، والمقراض ، والحبل ، والركوة ويقول : هذا لا يقدح في التوكل . وسببه أنه علم أن البوادي لا يكون الماء فيها على وجه الأرض . وما جرت سنة الله تعالى بصعود الماء من البئر بغير دلو ولا حبل ولا يغلب وجود الحبل والدلو في البوادي كما يغلب وجود الحشيش . والماء يحتاج إليه لوضوئه كل يوم مرات ، ولعطشه في كل يوم أو يومين مرة ، فإن المسافر مع حرارة الحركة لا يصبر عن الماء وإن صبر عن الطعام . وكذلك يكون له ثوب واحد وربما يتخرق فتنكشف عورته ولا يوجد المقراض . والإبرة في البوادي غالبا عند كل صلاة ، ولا يقوم مقامهما في الخياطة والقطع شيء مما يوجد في البوادي فكل ما في معنى هذه الأربعة أيضا يلتحق بالدرجة الثانية ، لأنه مظنون ظنا ليس مقطوعا به ، لأنه يحتمل أن لا يتخرق الثوب ، أو يعطيه إنسان ثوبا ، أو يجد على رأس البئر من يسقيه . ولا يحتمل أن يتحرك الطعام ممضوغا إلى فيه . فبين الدرجتين فرقان ، ولكن الثاني في معنى الأول ولهذا نقول لو انحاز إلى شعب من شعاب الجبال حيث لاماء ولا حشيش ، ولا يطرقه طارق فيه ، وجلس متوكلا ، فهو آثم به ، ساع في هلاك نفسه . كما روي أن زاهدا من الزهاد فارق الأمصار وأقام في سفح جبل سبعا وقال : لا أسأل أحدا شيئا حتى يأتيني ربي برزقي ، فقعد سبعا ، فكاد يموت ولم يأته رزق . فقال : يا رب إن أحييتنى فأتني برزقي الذي قسمت لي ، وإلا فاقبضني إليك . فأوحى الله جل ذكره إليه . وعزتي لا رزقتك حتى تدخل الأمصار وتقعد بين الناس . فدخل المصر وقعد ، فجاء هذا بطعام ، وهذا بشراب ، فأكل وشرب ، وأوجس في نفسه من ذلك ، فأوحى الله تعالى إليه : أردت أن تذهب حكمتى بزهدك في الدنيا . أما علمت أنى أن أرزق عبدي بأيدي عبادي أحب إلى من أن أرزقه بيد قدرتى . فإذا التباعد عن الأسباب كلها مراغمة للحكمة ، وجهل بسنة الله تعالى ، والعمل بموجب سنة الله تعالى مع الاتكال على الله عز وجل دون الأسباب لا يناقض التوكل ، كما ضربناه مثلا في الوكيل بالخصومة من قبل . ولكن الأسباب تنقسم إلى ظاهرة وإلى خفية فمعنى التوكل الاكتفاء بالأسباب الخفية عن الأسباب الظاهرة مع سكون النفس إلى مسبب السبب لا إلى السبب . فإن قلت فما قولك في القعود في البلد